عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
269
اللباب في علوم الكتاب
فيجازي كلّا بعمله ، وهذا وإن كان هو الواقع إلّا أنّه ليس من هذا اللّفظ . قوله وما تنقم قد تقدّم في المائدة أنّ فيه لغتين وكيفية تعدّيه ب « من » وأنّه على التّضمين . وقوله : « إِلَّا أَنْ آمَنَّا » يجوز أن يكون في محلّ نصب مفعولا به ، أي : ما تعيب علينا إلّا إيماننا ويجوز أن يكون مفعولا من أجله ، أي : ما تنال منّا وتعذّبنا لشيء من الأشياء إلّا لإيماننا وعلى كلا القولين فهو استثناء مفرغ . قوله « لَمَّا جاءَتْنا » يجوز أن تكون ظرفية كما هو رأي الفارسي ، وأحد قولي سيبويه ، والعامل فيها على هذا آمنّا أي : آمنّا حين مجيء الآيات ، وأن تكون حرف وجوب لوجوب ، وعلى هذا فلا بدّ لها من جواب وهو محذوف تقديره : لما جاءتنا آمّنا بها من غير توقّف . قوله : رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً معنى الإفراغ في اللّغة : الصّبّ . وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه بالكليّة ، فكأنّهم طلبوا من اللّه كلّ الصّبر لا بعضه . ونكّروا « الصّبر » وذلك يدلّ على الكمال والتّمام ، أي : صبرا كاملا تاما ، كقوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [ البقرة : 96 ] أي : على حياة كاملة تامّة . وقوله : وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ أي : توفنا على الدّين الحقّ الذي جاء به موسى . واحتجّ القاضي بهذه الآية على أنّ الإيمان والإسلام واحد . فقال : إنّهم قالوا أوّلا : « آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا » ، ثمّ ثانيا : « وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ » ، فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان . قوله : وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ . [ اعلم أن فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف ، فلهذا لم يحبسه ولم يتعرض له بل خلى سبيله ، فقال له قومه : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ] . أي : يفسدوا على النّاس دينهم . قوله : « ويذرك » العامة « ويذرك » بالغيبة ، ونصب الرّاء ، وفي النّصب وجهان : أظهرهما : أنّه عطف على « ليفسدوا » والثاني : أنّه منصوب على جواب الاستفهام كما ينصب في جوابه بعد الفاء ؛ كقول الحطيئة : [ الوافر ] 2545 - ألم أك جاركم ويكون بيني * وبينكم المودّة والإخاء ؟ « 1 » والمعنى : كيف يكون الجمع بين تركك موسى وقومه مفسدين ، وبين تركهم إيّاك وعبادة آلهتك ، أي : لا يمكن وقوع ذلك .
--> ( 1 ) تقدم .